الهرمنيوطيقا في الواقع الإسلامي - معتصم السيد أحمد دار الهادي

بين حقائق النص ونسبية المعرفة

١٠٫٥٣ $

196 صفحة

تباينت وجهات النظر، حول مدى فاعلية المنهج الهرمنيوطيقي، في تقديم فهم منظم للنص الديني، بين من يراه الطريق الحصري والوحيد لتفعيل النص، وإخراج الدين من الصورية الجامدة والمتزمتة، التي تحجب الحقيقة الدينية وتجعلها أجنبية عن العصر الحاضر، وبين منكر لأي دور فاعل لهذا المنهج، الذي نشأ ضمن ظروف خاصة أنتجتها تجارب الفلسفة الغربية، فالضرورة المنهجية عند هؤلاء تقتضي أن تظل الهرمنيوطيقا محافظة على خصوصية المنشأ الذي يتباين مع تجربة النص الديني في الإسلام.. ومن أهم المفاصل الأساسية المثيرة للجدل بين التوجهين: هي النسبية المعرفية التي تؤكد عليها الهرمنيوطيقا ضمن الدعوة للقراءة المفتوحة والمتجددة للنص، بحيث يحق لكل واحد حينها الفهم، من غير أن يكون لأحد حق احتكار الحقيقة، فليس هناك حد نهاية أو حقيقة مطلقة يجب الوقوف عندها. هذا ما يثير مخاوف المتبنين لقدسية النص، المستبطن للحقائق الإلهية الثابتة، فثمة مفارقة أساسية يبديها هذا الاتجاه، هي أن النسبية حقيقة واقعية، لا يمكن التنكر لها ما دام الإنسان يبدع ضمن ظرفه السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والنفسي، ولكن الأمر غير المقبول هو أن تضخم هذه النسبية، لتصبح الحقيقة الوحيدة ولا حقيقة غيرها. فالنزاع الحقيقي ليس في إثبات النسبية وعدمها، وإنما هل هناك حقائق قطعية كما هو حال النسبية عند أصحابها؟ من هذه الملاحظة يؤسس هذا الاتجاه معياراً للفرز بين اتجاهين للخطاب المعرفي، بين الخطاب البشري المحدود، والخطاب الإلهي الذي يحتفظ بحقائق ثابتة وسنن جازمة، فإن كان من الممكن قبول الهرمنيوطيقا في النص البشري الذي يمكن أن يحتمل وجوهاً متعددة، تفرضها الظروف والمقتضيات ضمن التجربة الذاتية للإنسان. إلا أنه لا يمكن قبول ذلك بخصوص المعرفة التي يؤسسها الخطاب الإلهي. فهي معرفة ترتكز على سنن ثابتة تتجاوز الإطار الزمني لتكون قابلة للجريان والانطباق، فالحقيقة الأولى التي يجب تأسيسها: أن النص الديني مستبطن لحقائق مطلقة. وهنا تصبح المشكلة منحصرة في كيفية الفهم لتلك الحقائق، مما يهود بنا من جديد لمناهج الفهم، التي يجب تقويمها بمقدار اعترافها بتلك الحقائق الموجودة في النص. أما الهرمنيوطيقا لا تعترف بتلك الحقائق وتستسلم لمقتضى الظرف البشري في المعرفة، مما تجعل النص الإلهي محكوماً ضمن تصور زماني ومكاني يخلقه المفسر، وبالتالي تلغي أي محاولة لإسناد أي فكرة إلى الدين، بل لا يمكن خلق تصور معرفي يمكن وصفه بأنه فكر ديني. وقد وجد هذا المنهج -الداعي لنسبية معرفية مطلقة- أنصاراً في الوسط الإسلامي استندوا على الهرمنيوطيقا لتقديم فهم جديد للنص الديني وفقاً لأفق المرحلة ومقتضيات العصر. ولذا حاولت هذه الدراسة فتح الباب هذا للنقاش والبحث، للمساهمة في عرض المشكلة وتقديم بعض الرؤى. فتناولت الدراسة في أربعة فصول: اهتم الفصل الأول بالمسار التاريخي للهرمنيوطيقا مستعرضاً أهم المدارس التي أنتجتها الفلسفة الغربية. وقد حاول هذا الفصل أن يبين الاتجاه الهرمنيوطيقي الذي يمكن أن يكون له حضور في الوسط الإسلامي، رابطاً بينه وبين دلالة المعنى التي اوجدتها العقلية الإسلامية للهرمنيوطيقاً، وبذلك نكون قد حددنا المشكلة وحصرنا مسار البحث. أما في الفصل الثاني فقد تناول الهرمنيوطيقا في الواقع الإسلامي المعاصر مستعرضاً الدواعي والنتائج، وأهم المرتكزات المعرفية التي ترتكز عليها في مشروعها التأويلي، ومناقشاً بعض النتائج على سبيل النقد والبناء. وفي الفصل الثالث الذي جاء بعنوان (وجهة معرفية... نحو قراءة تأويلية جديدة) تمت مناقشة الأبعاد الابتسمولوجية لمشروع القراءات التأويلية، عارضاً فيه تصوراً مخالفاً لما اعتمده المشروع التأويلي في تأسيسه المعرفي. وفي الفصل الرابع والأخير من الدراسة كان الاهتمام منصباً على تقديم دلالة جديدة لمفهوم التأويل من النص الديني، بعد استعراض المعنى التراثي، والمقاربات الفلسفية لمفهوم التأويل، والمقاربات الحديثة التي تبناها مشروع القراءات التأويلية، وأهم المكتسبات المعرفية التي يمكن أن يمثلها هذا الفصل، هو في تقديم تصور يمكن من خلاله الفرز بين ما هو ثابت وما هو متغير. وترتكز هذه المنهجية على حقيقة قرآنية وهي أن النص يستند على خريطة من القيم تتفاضل في ما بينها على شكل هرمي، تمثل الجانب الثابت من المعرفة القرآنية. أما الجانب المتغير هو التطبيق المرحللي لهذه القيم وهو مشروط بالتطور الزمني.

  • ١٠٫٥٣ $

منتجات قد تعجبك